مجمع البحوث الاسلامية
456
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
أو أراد أن يشتغل العلماء بردّ المتشابه إلى المحكم بالنّظر والاستدلال والبحث والاجتهاد فيثابون على هذه العبادة ، ولو كان كلّه ظاهرا جليّا لاستوى فيه العلماء والجهّال ، ولماتت الخواطر بعدم البحث والاستنباط ، فإنّ نار الفكر إنّما تقدح بزناد المشكلات ، ولهذا قال بعض الحكماء : عيب الغنى أنّه يورث البلادة ويميت الخاطر ، وفضيلة الفقر أنّه يبعث على إعمال الفكر واستنباط الحيل في الكسب . ( مسائل الرّازيّ : 26 ) القرطبيّ : اختلف العلماء في المحكمات والمتشابهات على أقوال عديدة . [ ثمّ نقل قول جابر بن عبد اللّه ، وقال : ] قلت : هذا أحسن ما قيل في المتشابه . . . وقد قيل : القرآن كلّه محكم لقوله تعالى : كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ هود : 1 . وقيل : كلّه متشابه لقوله : كِتاباً مُتَشابِهاً . قلت : وليس هذا من معنى الآية في شيء ، فإنّ قوله تعالى : كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ، أي في النّظم والرّصف ، وإنّه حقّ من عند اللّه . ومعنى كِتاباً مُتَشابِهاً ، أي يشبه بعضه بعضا . ويصدّق بعضه بعضا ، وليس المراد بقوله : آياتٌ مُحْكَماتٌ . . . وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ آل عمران : 7 ، هذا المعنى ، وإنّما المتشابه في هذه الآية من باب الاحتمال والاشتباه من قوله : إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا ، أي التبس علينا ، أي يحتمل أنواعا كثيرة من البقر . والمراد بالمحكم : ما في مقابلة هذا ، وهو ما لا التباس فيه ، ولا يحتمل إلّا وجها واحدا . وقيل : إنّ المتشابه : ما يحتمل وجوها ، ثمّ إذا ردّت الوجوه إلى وجه واحد وأبطل الباقي صار المتشابه محكما . فالمحكم أبدا أصل تردّ إليه الفروع ، والمتشابه هو الفرع . [ ثمّ نقل قول النّحّاس وأضاف : ] قلت : ما قاله النّحّاس يبيّن ما اختاره ابن عطيّة ، وهو الجاري على وضع اللّسان ، وذلك أنّ المحكم اسم مفعول من أحكم ، والإحكام : الإتقان ، ولا شكّ في أنّ ما كان واضح المعنى لا إشكال فيه ولا تردّد ، إنّما يكون كذلك لوضوح مفردات كلماته . وإتقان تركيبها ، ومتى اختلّ أحد الأمرين جاء التّشابه والإشكال ، واللّه أعلم . ( 4 : 9 ) البيضاويّ : أحكمت عبارتها بأن حفظت من الإجمال والاحتمال . . . وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ محتملات ، لا يتّضح مقصودها لإجمال أو مخالفة ظاهر إلّا بالفحص والنّظر ، ليظهر فيها فضل العلماء ، ويزداد حرصهم على أن يجتهدوا في تدبّرها ، وتحصيل العلوم المتوقّف عليها استنباط المراد بها ، فينالوا بها وبإتعاب القرائح في استخراج معانيها ، والتّوفيق بينها وبين المحكمات ، معالي الدّرجات . وأمّا قوله تعالى : الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ فمعناه أنّها حفظت من فساد المعنى وركاكة اللّفظ ، وقوله : كِتاباً مُتَشابِهاً فمعناه أنّه يشبه بعضه بعضا في صحّة المعنى وجزالة اللّفظ . ( 1 : 149 ) النّسفىّ : أحكمت عبارتها بأن حفظت من الاحتمال والاشتباه ، هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ : أصل الكتاب ، تحمل